المشاركات

المرونة الأكاديمية والسيادة التعليمية: قراءة في الأبعاد النفسية والاقتصادية للقرارات الجامعية

تواجه النظم التعليمية في الدول التي تمر بظروف استثنائية وضغوط اقتصادية هيكلية، تحدياتٍ مركبة تتطلب مقاربات براغماتية تتجاوز البيروقراطية الأكاديمية التقليدية. وفي مثل هذه المناخات، يبرز مفهوم "السيادة التعليمية" ليس فقط كقدرة حصرية للدولة على صياغة مناهجها وإدارة مؤسساتها، بل ككفاءة حقيقية في الحفاظ على استمرارية تدفق رأس المال البشري، ومنع تآكله تحت وطأة الظروف المعيشية واللوائح الجامعية الصارمة.

ضمن هذا السياق، يمكن قراءة التعديلات التشريعية الأخيرة – والمتمثلة في صدور المرسوم رقم 167 لعام 2026 الذي أقر ترفعاً إدارياً استثنائياً ودورة امتحانية تكميلية – كحالة دراسية تطبيقية لسياسات "المرونة الأكاديمية". فهذا الإجراء، بعيداً عن صياغاته القانونية الجافة، يلامس جوهر اختناقات النظام التعليمي ببعديها النفسي العميق والاقتصادي الكلي.

العبء المعرفي وترميم الأمل: البعد النفسي

لا يمكن فهم الأثر الحقيقي لهذه المرونة التشريعية دون النظر إلى الواقع الإنساني للطالب السوري، الذي بات يحمل عبء التحصيل العلمي بيد، وعبء الضغوط المعيشية باليد الأخرى. في أواخر آب/أغسطس الماضي، عندما اقتصرت القرارات على الترفع الإداري مع حجب الدورة التكميلية، تُرك آلاف الطلاب، وخصوصاً الخريجين، في مواجهة جدار مسدود. فالطالب الذي كان يتعثر بمقرر أو مقررين كان يرى أمامه عاماً كاملاً من الانتظار والجمود.

من منظور علم النفس التربوي، يُشكل هذا "الرسوب الحدي" عاملاً حاسماً في الوصول إلى ما يُعرف بـ "الاحتراق الأكاديمي" (Academic Burnout). إذ يتحول الحرم الجامعي في ذهن الطالب من بيئة حاضنة للنمو إلى مصدر للضغط النفسي المستمر (Chronic Stress). تجميد المسار الأكاديمي لعام كامل يخلق لدى الشاب حالة من "العجز المتعلم" (Learned Helplessness)، حيث تتراجع دافعيته الذاتية، ويغرق في القلق الاستباقي حيال مستقبله المجهول.

هنا، يتدخل القرار الأخير ليعمل كـ "ممتص للصدمات النفسية" (Psychological Shock Absorber). فالسماح بنقل الطالب إلى سنة دراسية أعلى بشروط استثنائية، ومنح الخريجين فرصة الدخول في امتحان تكميلي، هو بمثابة "طوق نجاة" نفسي وإعادة اعتبار لجهد الطالب. هذا الإجراء لا يمثل تساهلاً علمياً، بل هو إعادة هيكلة للعبء الدراسي تتيح للطالب مساحة لالتقاط الأنفاس، محولةً إياه من شخص محبط ومستنزف، إلى شاب مستعد للتعويض واستكمال متطلباته بإنتاجية أعلى.

تكلفة الفرصة البديلة ورفد السوق: البعد الاقتصادي

على المقلب الآخر، ترتبط "السيادة التعليمية" ارتباطاً وثيقاً بصلابة الاقتصاد الوطني؛ فالسيادة لا تعني فقط حماية الحدود، بل هندسة استدامة الموارد البشرية. وهنا يتجلى البعد الاقتصادي الكلي للقرارات الجامعية.

في لغة الاقتصاد، يُعد تجميد تخريج آلاف الطلاب سنوياً بسبب عجز طفيف في التحصيل "تشوهاً في تخصيص الموارد" (Misallocation of Resources). فالاقتصاد الوطني يتكبد جراء ذلك خسائر مركبة؛ أولها التكلفة التشغيلية التي تتحملها الجامعات لإعادة استيعاب هؤلاء الطلاب في القاعات والمختبرات لعام إضافي، وثانيها – وهو الأهم – ما يُعرف بـ "تكلفة الفرصة البديلة" (Opportunity Cost) المترتبة على تأخر دخول هذه الكفاءات الشابة إلى سوق العمل.

إن إقرار الدورة التكميلية لطلاب السنة الأخيرة يمثل معالجة ذكية لـ "الاختناق المؤسساتي" (Institutional Bottleneck). فبدلاً من هدر عام كامل، يتم ضخ آلاف المهندسين، والأطباء، والتقنيين، والحقوقيين الجدد في شرايين القطاعين العام والخاص بشكل فوري. هذا الرفد المباشر يسرّع من عملية تحول الفرد من خانة "الإعالة الاقتصادية" (Economic Dependency) داخل أسرته، إلى خانة "الإنتاجية الفاعلة". وهو ما ينعكس بشكل فوري على اقتصاد الأسرة السورية، التي طالما استنزفت مواردها لتعليم أبنائها، لتبدأ أخيراً بقطف ثمار هذا الاستثمار بتحول الشاب إلى عنصر منتج ومستقل مادياً.

إدارة الأزمات عبر المرونة المؤسساتية

خلاصة القول، تتضح ملامح السيادة التعليمية الحقيقية كأداة استراتيجية ديناميكية قادرة على التكيف مع الأزمات. إن النظام الأكاديمي الصلب الذي يرفض الاستجابة لمتغيرات الواقع السوسيو-اقتصادي، يخاطر عن غير قصد برفع معدلات التسرب الجامعي وهجرة العقول الشابة بحثاً عن بيئات أكثر مرونة.

التعديلات الإدارية والاستثناءات المدروسة، عندما تُتخذ في توقيتها الحرج، تتجاوز كونها مجرد لوائح تنظيمية لتصبح أدوات وطنية لـ "إدارة الأزمات". غايتها الأساسية ليست مجرد تطبيق القوانين، بل حماية مستقبل الشباب بأقل قدر ممكن من الهدر الزمني والنفسي، وضمان استدامة تدفق العقول نحو مواقع الإنتاج؛ لأن حماية المسار الأكاديمي للطالب هي، في نهاية المطاف، حماية لمستقبل الوطن بأكمله.

About the author

حسان الضويحي
​حسان الضويحي، طبيب جراح ومؤسس "Syria24News". أجمع هنا بين دقة الجرّاح وشغف الباحث لتقديم محتوى معمّق وموثوق عن سوريا تاريخاً ومجتمعاً.

إرسال تعليق